الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :7/4/1433 هـ أ.د.سعد الدين السيد صالح
القضاء على الحركات الإسلامية

في وسط حالة الضياع التي كان يعيشها العالم الإسلامي من إلغاء الخلافة الإسلامية، وتطبيق الأنظمة العلمانية، وسيطرة الاستعمار الأجنبي على معظم أجزاء العالم الإسلامي، وعبثه بالحكومات الإسلامية، في وسط هذا كله يقيض الله لهذه الأمة من يجدد لها دينها، فيظهر محمد بن عبدالوهاب وينشئ أول حركة إسلامية في العصر الحديث وهي الحركة الوهابية التي أحيت الروح الإسلامية في نفوس المسلمين وساعدت على خلق كثير من الحركات الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي في الجزائر والمغرب وليبيا ومصر والهند وباكستان وغيرها.

 

ثم ظهر على أثره كثير من الدعاة للإسلام ومنهم السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ حسن البنا الذي فاق الجميع حيث استفاد من أخطاء السابقين وأسس أول حركة إسلامية جامعة في مصر وهي حركة «الإخوان المسلمين».

 

وقد دعا الشيخ حسن البنا إلى:

1- إحياء الإسلام كدين ودولة وخلق المجتمع المسلم الذي يحكم الإسلام كل حركة من حركات حياته، وإلغاء القوانين الوضعية وتطبيق القوانين الإسلامية.

 

2- تحرير العالم الإسلامي من الاستعمار الأجنبي.

 

وقد استطاع الشيخ حسن البنا في فترة وجيزة أن يربي جيلاً جديداً من الشباب الذي آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً إيماناً حقيقياً يضحي في سبيله بالغالي والنفيس.

 

كما أحدث في مصر وفي العالم الإسلامي حركة ثقافية إسلامية حيث أنشأ كثيراً من المجلات الإسلامية، واتصل بكل الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي في سوريا، ولبنان وفلسطين وباكستان، وإندونيسيا[1].

 

يقول الدكتور ميتشيل:«لقد صارت دار الإخوان منتجعاً لكل العاملين في الحركة الإسلامية في مختلف أرجاء العالم الإسلامي»[2] وفي سنوات معدودة كان لجماعة الإخوان المسلمين في مصر (2000) شعبة ومنها شعب في الجيش وتنظيم الضباط الأحرار[3] كما أنشأت هذه الحركة كثيراً من المدارس الإسلامية والمستشفيات ودور الرعاية الاجتماعية، من أجل الوقوف في وجه المد التبشيري في مصر.

 

وكانت وسائل الشيخ حسن البنا في تكوين الجماعة هي:

1- الإيمان العميق.

2- التكوين الدقيق.

3- العمل المتواصل.

كما كان منهجه في الدعوة هو: الحكمة والموعظة الحسنة والحوار الهادف الأمين كما كان في الوقت ذاته يعد نفسه وجماعته إعداداً عملياً تحقيقاً لقول الله تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [4] فأنشأ (التنظيم السري العسكري) لمواجهة الإنجليز في مصر.

 

وقد كان همه الأول هو: أن يجلو أعداء الإسلام عن العالم الإسلامي ومن هنا يقول «إن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلاً عن السيادة وإعلان الجهاد ولو كلفهم ذلك الدم والمال، فالموت خير من الحياة: حياة العبودية والرق والاستغلال»[5].

 

ولذلك أخذ على نفسه أن يقاوم صلف الإنجليز في مصر، فأحيا في العمال الذين كانوا يعملون معهم روح الإسلام والعزة الإسلامية التي جعلتهم يشعرون بقيمتهم ولا يقبلون إهانة الإنجليز  لهم، كما عارض المعاهدات الإنجليزية التي تنازل فيها الساسة عن حقوق الوطن.

 

ولم يقف عند هذا الحد بل أرسل رجاله لمقاومة الإنجليز في الإسماعيلية والقناة فنسفوا معسكرات الإنجليز وأذاقوهم الويل.

 

كما اهتم الشيخ حسن البنا بصفة خاصة بقضية فلسطين، واتصل بالمجاهدين المسلمين هناك وعلى رأسهم الحاج «أمين الحسيني» كما  قام بإحياء الوعي المصري تجاه فلسطين فأرسل رجاله إلى المساجد يبصرون الناس بخطورة اليهود في فلسطين ويجمعون التبرعات لمساندة المجاهدين هناك[6].

 

كما قامت الجماعة بعقد المؤتمرات العالمية من أجل شرح أبعاد قضية فلسطين[7] ولم يقف أمرهم عند حد الجهاد بالكلام فقط بل جاهدوا بأنفسهم وأموالهم، فما أن قامت الحرب بين العرب واليهود سنة 1948م حتى كان الإخوان المسلمون في مقدمة الصفوف، وأقاموا لأنفسهم معسكرات للتدريب اعتمدوا فيها على أموالهم الخاصة ولم يكلفوا الدولة شيئاً ودخلوا إلى فلسطين في مارس سنة 1948م أي قبل وصول القوات النظامية العربية بشهرين، ولعبوا مع اليهود لعبة حرب العصابات التي أظهروا فيها بطولات خارقة شهد بها قادة اليهود حيث يقول أحدهم إن الهجوم على الإخوان المسلمين مخاطرة كبيرة يشبه الهجوم على غابة مملوءة بالوحوش[8].

 

بل وصل الأمر إلى حد أن الإخوان المسلمين قد فتحوا القدس وحرروها من اليهود وأقاموا حكومة إسلامية مصغرة[9]، ولولا الخيانة التي وقع فيها حكام العرب وملك مصر لكان لفلسطين شأن آخر.

 

كذلك وقفت جماعة الإخوان المسلمين كالسد المنيع أمام المد الشيوعي في مصر وهكذا أصبحت جماعة الإخوان المسلمين – كما يقول المرحوم حسن الهضيبي «اسماً لا يعبر عن منظمة في مصر، وإنما يعتبر عنواناً لنهضة الإسلام وبعثه وحيويته في جميع البلاد الإسلامية من المحيط إلى المحيط، وصارت دعوتهم رعباً للمستعمرين وأنصار المستعمرين والمنافقين»[10].

 

نتائج ظهور حركة الإخوان المسلمون:

كان لظهور هذه الحركة كثير من النتائج الطيبة منها:

1- إحياء الشعور بالإسلام في نفوس المسلمون، فلقد حولت الإسلام من مجرد عقيدة وشعائر – كما أراد أعداء الإسلام – إلى قوة ناهضة صاعدة تستطيع أن تشق طريقها وسط القضايا العصرية ومشكلاتها.

 

2- إظهار الاتجاه الإسلامي في مصر كقوة يحسب لها ألف حساب، لدرجة أن القصر الملكي والحكومات القائمة كانت تخطب ود الإخوان المسلمين، ولا أدل على ذلك من أن النحاس أثناء رئاسته للوزارة سنة 1942م قد ترجى الشيخ حسن البنا أن يتنازل عن ترشيح نفسه في مجلس النواب، كما تكرر نفس الموقف مع أحمد ماهر رئيس الوزراء سنة 1945م[11]. وبعد وفاة الشيخ حسن البنا وتولي الأستاذ حسن الهضيبي أمر جماعة الإخوان أرسل إليه الملك وحاول أن يتودد إليه، وأن يكسبه إلى جواره، وتنصل من كل ما دبره للإخوان المسلمين ولم يعبأ به الهضيبي، بل إن الملك أهداه صورة مبروزة فما كان من الهضيبي إلا أن وضعها في دورة المياه[12].

 

3- سببت القلق والضيق للإنجليز واليهود والأمريكان، فإن أخشى ما يخشاه الاستعمار أن يواجه بدعوة عقدية، ولقد ووجه الاستعمار في مصر بدعوات قوامها ودوافعها الوطنية أو القومية أو غير ذلك، ولم يكن يعبأ بهذه المقاومات ولم تكن تسبب له أي قلق ولم يقلق مضاجعه إلا الدعوة الجديدة التي حملت الإسلام الحقيقي شعاراً.

 

خوف أعداء الإسلام من جماعة الإخوان المسلمين:

لا يخاف أعداء الإسلام من شيء أكثر من خوفهم من تحريك الشعور الديني وهذا ما أشار إليه رجل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند، فلقد فكروا مرة في وقف المد الشيوعي في العالم الإسلامي عن طريق تحريك الشعور الديني ولكنهم تراجعوا لأن هذه الفكرة سلاح ذو حدين يقف في وجه المد الشيوعي والمصالح الغربية في آن واحد[13].

 

ومن هنا شكلت حركة الإخوان المسلمين خطراً حقيقياً على أعداء الإسلام ومخططاتهم.

 

والسبب في ذلك: أن هذه الجماعة تدعو إلى إعادة الإسلام وسيادة المفاهيم الإسلامية وسيطرتها على كل مجالات الحياة، وهذا أمر في غاية الخطورة عليهم لأنهم يعلمون أن في ارتفاع كلمة الإسلام مصرعاً لوجودهم، وقضاء على مخططاتهم، وذلك أنه يوم أن تعلو المفاهيم التي جعلت المسلمين الأوائل يتمكنون من القضاء على دولتي الفرس والروم، سوف يقضى على كل القوى المعادية للإسلام من اليهود والنصارى والشيوعيين.

 

ومن هنا كان الهلع الذي أصاب أجهزة الإعلام الغربية والصهيونية والتي راحت تحذر من الإخوان المسلمين.

 

فكتبت الصحف الأمريكية عن الشيخ حسن البنا وبينت خطورته فقالت:«إن هذا الرجل هو أقوى رجل في العالم الإسلامي اليوم ولا يمكن أن يغلب إلا أن تصير الأحداث أكبر منه»[14]. وقالت الكاتبة الصهيونية روث كارين:«إذا لم يدرك العالم حقيقة خطر الإسلام والإخوان المسلمين على الاستعمار وعملائه، فإن أوروبا قد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية، تمتد من شمال أفريقيا إلى باكستان ومن تركيا إلى المحيط الهندي».

 

وقال بن جورين معقباً على اشتراك الإخوان المسلمين في معارك سنة 1948م «إنه لا سبيل إلى استمرار إسرائيل إلا بالقضاء على الرجعيين في العالم العربي والمتعصبين من رجال الدين، والإخوان المسلمين»[15] كما قال:«نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا القوميات ولا الملكيات في المنطقة، إنما نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ في المنطقة، إني أخشى أن يظهر محمد جديد في المنطقة»[16].

 

من أجل هذا اجتمع الزعيم البريطاني مع وزير الخارجية الأمريكية، والسفير الفرنسي في 10 نوفمبر سنة 1948م وقرروا ضرورة القضاء على جماعة الإخوان المسلمين، ووضعوا لذلك الخطط اللازمة وهذا ما سوف نفصله فيما يأتي:

أساليب أعداء الإسلام في مواجهة الإخوان المسلمين:

كانت أساليب أعداء الإسلام تعتمد على الوقيعة والتشكيك في أهداف الإخوان المسلمين، فقد حاولوا أن يوقعوا بينهم وبين الحكومات القائمة، ويدفعوا هذه الحكومات إلى حل جماعتهم والقضاء عليهم، ففي سنة 1935 أبدى الإنجليز للنحاس تخوفهم من هذه الجماعة وأشاروا عليه بحلها إلا أنه لم يخضع لهم في البداية، وفي سنة 1941 أوعزوا إلى حكومة حسين سري بالقضاء عليهم ولكنه رفض[17]، وفي سنة 1942 دفع الإنجليز حكومة الوفد إلى حل الجماعة وإغلاق جميع الشعب فخضع لهم النحاس رئيس الحكومة ثم تراجع بعد ذلك وسمح بإعادة فتحها في مقابل أن يتنازل الشيخ البنا عن ترشيحه في مجلس النواب.

 

ثم حاولوا الوقيعة بين الملك فاروق والإخوان المسلمين، فقالوا له إن حسن البنا يريد أن يجعل من القدس مملكة إسلامية جديدة تفتح هذه الأمصار، وتوحد العالم الإسلامي فلا يكون لأحد من الملوك ملك ولا سلطان.

 

ومن هنا كانت المؤامرة الكبرى والتي تعاون فيها الإنجليز مع الملك وحكومة السعديين بزعامة محمود فهمي النقراشي رئيس الحكومة وإبراهيم عبدالهادي ونائبه ففي سنة 1948 أبرقت إنجلترا إلى النقراشي بضرورة حل الجماعة وقد تبين هذا من نص البرقية المرسلة من قيادة القوات البريطانية في مصر إلى المخابرات الإنجليزية ونصها «فيما يختص بالاجتماع الذي عقد في فايد 10 نوفمبر سنة 1948 بحضور صاحب الجلالة البريطانية وأمريكا وفرنسا، أخطركم أنه سوف تتخذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحل جمعية الإخوان المسلمين»[18].

 

وأخطر الإنجليز القصر الملكي والحكومة ووافقت الحكومة على هذه المؤامرة فأصدرت أمراً عسكرياً بحل الجماعة واعتقال جميع أعضائها ومصادرة أموالهم وشركاتهم ومؤسساتهم وكل ما يخصهم.

 

والغريب في الأمر أنهم لم يعتقلوا زعيم الجماعة وهو الشيخ حسن البنا، بل تركوه وحيداً، وحاصروه بمخابراتهم، وقد طلب منهم إما اعتقاله، وإما الإفراج عن المعتقلين، وإما إخراجه إلى أي قطر إسلامي، فرفضت الحكومة الآثمة الظالمة لأنها بيتت أمراً خطيراً وهو قتل الشيخ حسن البنا، ففي 12/2/ 1949 وفي ليلة عيد ميلاد الملك قام البوليس السياسي بتدبير من إبراهيم عبدالهادي والملك بإطلاق الرصاص على الشيخ حسن البنا، ولم يمت ساعتها بل طلب لنفسه الإسعاف وذهب إلى القصر العيني، وهناك صدرت الأوامر بعدم إسعافه بل تركوه ينـزف حتى الموت ومنعوا الناس من السير في جنازته فلم يحمله إلا والده الشيخ الكبير والنساء[19]، ثم أفرج عن الجماعة مرة ثانية وقد لمت شملها وترأسها المستشار «حسن الهضيبي» إلا أن مؤامرات أعداء الإسلام على الجماعة لم تقف.

 

الإخوان المسلمون والثورة:

قلنا فيما سبق إن تنظيمات الإخوان المسلمين قد وصلت إلى الجيش حتى أن الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة كانوا على صلة بالجماعة وكان بعضهم عضواً فيها، ومن هنا ساعد الإخوان المسلمون رجال الثورة وتعاهد معهم عبدالناصر على أن يكون الحكم إسلامياً، فقد أقسم على المصحف في ساعة الصفر لمندوب الإخوان المسلمين في حركة الثورة وهو«المقدم صلاح شادي» على أن يحكم بالقرآن[20] ونجحت الثورة وساندها الإخوان في أحلك الظروف، إلا أن المخابرات الأمريكية والصهيونية والشيوعية تكاتفت على الوقيعة بين الإخوان والثورة وكانت  المؤامرة هي: أن تقوم أجهزة الإعلام الشيوعية بالدفاع عن الإخوان المسلمين وامتداحها وتظهر قدرتها على مناهضة الامبريالية، كما تقوم أجهزة الإعلام الصهيونية بإظهار قدرات الإخوان المسلمين وقوتهم، واستطاعتهم الإطاحة بنظام عبدالناصر[21] ثم تقدم السفير الأمريكي إلى عبدالناصر باقتراح لحل الجماعة والقضاء عليها إذا كان يريد مساعدة أمريكا ومعونتها [22].

 

وفي هذه الأثناء سقطت شعبية عبدالناصر بسبب إقصائه لمحمد نجيب رئيس الجمهورية واستئثاره بالسلطة، فنصحه الخبير الأمريكي في الدعاية والإعلام بأن يختلق محاولة لإطلاق الرصاص عليه ونجاته منها، فإن هذا الحادث بمنطق العاطفة والشعور الشعبي لا بد أن يزيد من شعبية عبدالناصر.

 

وهنا أراد عبدالناصر أن يضرب عصفورين بحجر واحد:

1- يتخلص من جماعة الإخوان المسلمين.

2- يزيد من شعبيته عند الناس.

 

فنقض ما عاهد الله عليه، ونكث بوعده واخترع ما عرف بحادث المنشية حيث ادعى أن أحد الإخوان المسلمين قد أطلق عليه الرصاص وحاول اغتياله، وبناء عليه أصدر الأوامر باعتقال الجماعة، وأعدم زعماءهم ظلماً وبهتاناً، فأعدم ستة من خيرة الرجال ومنهم الشيخ محمد فرغلي والمستشار عبدالقادر عودة، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير المحاميان كما أعدم يوسف طلعت ومحمود عبداللطيف.

 

وفي سنة 1965 وجه ضربة ثانية إلى جماعة الإخوان المسلمين حيث أعدم عدداً من الزعماء الجدد وعلى رأسهم شهيد الإسلام والمفكر العظيم «سيد قطب» «وعبدالفتاح إسماعيل» «ويوسف هواش» وكانت الضربة الثانية بتوجيه من روسيا، لقد أعلن عنها عبدالناصر أثناء زيارته للاتحاد السوفيتي[23]، ثم انتهى حكم عبدالناصر، وظهر السادات على المسرح فأفرج عن المعتقلين بهدف وقوفهم أمام التيار الماركسي في مصر، وفعلاً ظهرت الجماعات الإسلامية التي أشعرت المسلمين بالإسلام مرة ثانية بعد أن أماته عبد ناصر ونظامه الماركسي، وإلا أن هذه الجماعات قد خرجت عن المدى الذي قروه السادات وهو الوقوف أمام التيار الماركسي، فقد بدأت هذه الجماعات تطلب منه أن يحكم بالشريعة الإسلامية، كما انتقدته وخطأته في استسلامه لليهود وتعاونه معهم، مما جعل اليهود يدفعونه إلى القضاء عليهم.

 

فأعدم جماعة صالح سرية، ثم أعدم جماعة مصطفى شكري، وأخيراً اعتقل كل جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية وأغلق جريدة الدعوة، مما ترتب عليه قتله على يد الجماعة الجهاد الإسلامية.

 

وبعد وصول الرئيس مبارك إلى كرسي الحكم أفرج عن جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية اللهم إلا الذين أدينوا في قضايا جنائية، كما سمح لإحدى المجلات الإسلامية بالظهور وهي مجلة الاعتصام.

 

وإن كانت الاتجاهات الإسلامية تشكر للسيد الرئيس هذا العمل إلا أنها تطالب بالمزيد من الحريات، وبتكثيف الجهود من أجل العودة للإسلام كنظام شامل.

 

وما حدث في مصر للإخوان المسلمين حدث لكل الجماعات الإسلامية في أنحاء العالم، ففي الهند قضى الاستعمار الإنجليزي على حركة المجاهد «أحمد عرفان» وفي إيران استطاعوا القضاء على جماعة «نواب صفوي الإسلامية».

 

وفي سوريا قامت الحكومة هناك بالقضاء على جماعة الإخوان واستعملوا معهم أبشع الوسائل حتى أنهم دمروا مدينة حماة معقل الإخوان المسلمين، وفي المغرب وتونس والجزائر تدبر للإخوان المسلمين المؤامرات ويزج بهم في السجون والمعتقلات بلا جريمة ولا ذنب اللهم إلا أنهم رضوا بالله رباً والإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وهكذا يتضح لنا أن المخطط الموضوع للقضاء على الاتجاهات الإسلامية ينفذ بدقة وإتقان في أنحاء العالم الإسلامي وما نريد أن نلفت النظر إليه هو أن القضاء على الاتجاهات الإسلامية كان بتدبير وتخطيط القوى المعادية وهي:

المخابرات المركزية الأمريكية.

الشيوعية العالمية.

الصهيونية.

وعلى من يريد التأكد من هذه الحقائق أن يراجع كتاب «دعاة لا بغاة» الذي نشرت فيه الوثائق السرية لضرب الحركة الإسلامية والتي تمت بالاتفاق بين (ريتشارد ميتشيل) رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأمريكية.

 

ومساعد الصهيوني (بيجن) للشئون الإسلامية وبعض الشخصيات المصرية[24].

 

نتائج اضطهاد الحركات الإسلامية:

كان لضرب الحركات الإسلامية كثير من النتائج الخطيرة ومنها:

1- انتشار الشيوعية في بعض بلدان العالم الإسلامي بعد أن انحسرت الاتجاهات الإسلامية ذلك أن الشيوعية لا يمكن أن تقوم مع وجود الحركات الإسلامية [25] وأكبر دليل على ذلك ما نشاهده الآن في مصر حيث عادت سيطرة الشيوعيين على أجهزة الإعلام، وعلى الصحف القومية التي فتحت الباب على مصاريعه للمفكرين الحمر لكي ينفثوا سمومهم وينفسوا عن أحقادهم على الإسلام ودقق على سبيل المثال فيما يكتبه لطفي الخولي، ومحمود السعدني ومحمود أمين العالم، ويوسف إدريس، وصلاح حافظ وصلاح منتصر، وسعيد سنبل وغيرهم من الذين كشفوا عن وجوههم القبيحة تجاه الإسلام بعد أن انحسر المد الإسلامي في مصر.

 

2- الكبت الذي أصاب بعض الشباب لإحساسه بأن الحكومات الإسلامية تضطهد الإسلام والدعاة إليه وتحجر عليهم، بينما تفسح المجال لحركات الشيوعيين والعلمانيين والماسونيين وغيرهم من دعاة الفكر المعادي للإسلام.

 

3- ظهور بعض الجماعات الإسلامية المتشددة في منهجها وفكرها بسبب ما أصابهم من التعذيب والإرهاق في سجون عبدالناصر والسادات[26].

 

إذن فما هو الحل؟

لن ينتهي الصراع بين الحكومات الإسلامية وبين الحركات الإسلامية، ذلك أن العقائد لا تموت، والإيمان الحقيقي لا يمكن القضاء عليه بالحديد والنار فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[27] ومن هنا فإن أساليب القهر والعنف لا تزيد المؤمنين إلا صلابة وقوة وإيماناً، لأنهم يتقبلون هذا القهر على أنه ابتلاء وزيادة في ميزان حسناتهم عند الله، حتى أن الواحد منهم كان يساق إلى المشنقة وهو ضاحك مستبشر فرح بل كان إخوانه يغبطونه لأنه نال الشهادة في سبيل الله.

 

ومن هنا يقول جون كوني في مجلة مونيتر الأمريكية «إن جماعة الإخوان المسلمين محصنة ضد الفناء[28] ويقول المفكر الغربي (سميث) إن حركة الإخوان سوف تعيش وتستمر رغم سوط الإرهاب والاستبداد»[29].

 

ومن هنا كان لا بد من حل جذري لهذا الصراع حتى لا تضيع جهود الدول الإسلامية هباء.

 

والذي نراه أن هناك واجبات على الشباب المسلم وواجبات على الحكومات الإسلامية.

 

أما واجب الشباب المسلم فهو التعقل والاتزان والبعد عن التهور والحماس الزائد، كما يجب عليهم أن يتبعوا منهج القرآن في الدعوة وهو الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وتجنب الاصطدام بالحكام.

 

ويكفيهم تربية أنفسهم وذويهم تربية إسلامية، ذلك أن الفرد المسلم يخلق الأسرة المسلمة، والأسرة المسلمة تخلق المجتمع المسلم، والمجتمع المسلم يلد الحكومة المسلمة، وكيفما تكونوا يولى عليكم.

 

أما أن يقف الشباب المسلم أمام التيار وهو أضعف من أن يتحمل قوته فذلك مساوٍ للانتحار ذلك أن السياسة لعبة خطيرة ذات أطراف متعددة والفوز فيها لا يكون إلا للأقوى.

 

ومن هنا كان على الشباب المسلم أن يعد نفسه أولاً بقوة العقيدة والتنظيم ولا يستعجل النتائج بالأعمال المتهورة، فلقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يربي الشباب على كلمة التوحيد، ولم يواجه قريشاً بأسلوب القوة العسكرية إلا بعد أن أعد نفسه تماماً لذلك.

 

فعلى الشباب أن يفهم ذلك وكفاهم ما خسروه من خيرة الرجال، والعاقل هو الذي يعتبر بحركة التاريخ.

 

أما واجب الحكومات الإسلامية فهو يتلخص في إعطاء الحرية الكاملة للدعاة إلى الإسلام، والاهتمام بالدين في المدارس ولجامعات، وتنقية مناهج التعليم مما يتعارض مع الإسلام، وعلى الحكومات الإسلامية أن تعلم أن حظر النشاط الإسلامي والتضييق عليه هو الذي يدفع الشباب المسلم إلى العمل السري، وبالتالي[30] مواجهة الحكومة، وفي نهاية فالخسائر مشتركة والربح لأعداء الإسلام وحدهم.

 

فهذا الشباب المسلم الذي يقتل كل يوم ويزج به في المعتقلات في سوريا والمغرب وتونس والجزائر ومصر وغيرها هو ثروة قومية ينبغي أن تحافظ عليه حكومات هذه الدول، وأن تفتح معه مجالاً للحوار المتكافئ فقد أثبتت التجارب على مدى التاريخ القديم والحديث أن العقيدة الإسلامية خالدة خلود الدهر، وأن المؤمن بها بحق لا يثنيه عن إيمانه ما يلقاه في سبيلها من مظاهر الابتلاءات.

 

إذاً فالحكومات التي تتبنى طريق العنف إنما تدور في حلقة مفرغة والدليل على ذلك أن المد الإسلامي في اضطراد مستمر على الرغم من أساليب القهر والعنف.

 

فلا مفر من الحوار المتكافئ  الذي لا بد وأن ينتهي بالطرفين عند كلمة سواء فلن تضيع الحقيقة في مناقشة حرة أبداً، بل لا بد أن تزدهر وتتألق من خلال الحوار الهادئ المتزن، وبذلك يزول سوء الفهم وتتوحد كلمة الأمة وتتفرغ للبناء والتقدم ومواجهة الأخطار الخارجية.

المصدر

من كتاب "التيارات المعادية للإسلام"؛ للأستاذ الدكتور سعد الدين السيد صالح.


 

[1] محمود عبدالحليم - الإخوان المسلمون جـ1 ص322.

[2] راجع ص52 من كتاب لماذا اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا – عبدالمتعال الجبري.

[3] د. زكريا سليمان بيومي- الإخوان المسلمون ص247.

[4] الأنفال (60).

[5] محمود عبدالحليم ص122.

[6] محمود عبدالحليم ص88.

[7] السابق ص181.

[8] فهمي أبو غدير - قضيتنا ص18.

[9] عبدالمتعال الجبري ص126.

[10] راجع مذبحة الإخوان جابر رزق ص7.

[11] محمود عبدالحليم جـ1 ص324.

[12] السابق ص498.

[13] لعبة الأمم ص81.

[14] محمود عبدالحليم ص436.

[15] عبدالمتعال الجبري ص122.

[16] د. عبدالله عزام – الإسلام ومستقبل البشرية ص61.

[17] عبدالمتعال الجبري ص130.

[18] راجع ص132 وما بعدها من كتاب عبدالمتعال الجبري لماذا اغتيل الإمام.

[19] محمود عبدالحليم جـ2 ص73 وما بعدها.

[20] الجابري ص179.

[21] كوبلاند ص208، 209.

[22] الجابري ص200.

[23] أحمد رائف– صفحات من تاريخ الإخوان ص96.

[24] دعاة لا بغاة ص160 وما بعدها.

[25] فتحي يكن - مشكلات الدعوة والداعية ص231.

[26] راجع على سبيل المثال كتاب المذبحة لمصطفى المصيلحي، وكتاب أيام من حياتي للمجاهدة زينب الغزالي وكتاب صفحات من تاريخ الإخوان لأحمد رائف، وغيرها لكي تشاهد ألوان التعذيب التي تقشعر منها الأبدان وتشمئز منها النفوس.

[27] الحجر [9].

[28] الجابري ص208.

[29] أبو الحسن الندوي – الصراع ص339.

[30] سالم البهنساوي – الحكم وقضية تكفير المسلم ص142.

لا يمكن التعليق إلا للاعضاء المسجلين.
Please login or register.

طباعة 2894  زائر ارسال