دروس من قصة موسى عليه السلام

 

تكثرُ القصصُ في القرآنِ بشكلٍ عام، وفي كلِّ قصةٍ عبرةٌ، وما يعقلها إلا العالمون.

وتحكى قصص القرآن صوراً للصراعِ القديمِ بين الحقِّ المؤيدِ من السماءِ، والباطلُ الذي يلوذُ به الملأُ والكُبراءُ، خداعاُ وعناداُ، واستكباراً وحفاظاُ على الذواتِ ليس إلا، كما كشفَ القرآنُ عن مواقفِ المؤمنينَ وحقيقتهِ وآثارِ الإيمان، ومواقفَ الظالمين ونهايةَ الفجار.

ولئِن كانت القصصُ تشغلُ مساحةً عريضةً في القرآن. فإنَّ قصةَ موسى- عليه السلام- مع فرعون تتميزُ بكثرةِ عرضها وتنوعِ مشاهدها، وهي من أطولِ قصصِ الأنبياءِ- عليهم السلام- في القرآن، فما الحكمةُ من كثرةِ ذكرها ؟

قال المفسرون: لأنَّها من أعجبِ القصص، فإنَّ فرعونَ حذَّرَ من موسى كلَّ الحذر، فسخَّرَهُ القدرَ لتربيةِ هذا الذي يُحذرُ منهُ على فراشهِ ومائدتهِ، بمنزلةِ الولدِ ثُمَّ ترعرع ، وعقدَ اللهُ لهُ سبباً من بين أظهرهم، ورزقهُ النُبوةَ والرسالةَ والتكليم .

 وبعثهُ إليهِ ليدعوهُ إلى الله تعالى، ليعبدهُ ويؤمنُ برسالة الله، وليس لهُ وزيرٌ سوى أخيه هارون- عليه السلام- فتمردَ فرعونُ واستكبر، وأخذتهُ الحميةَ والنفسُ الخبيثة الأبية، وقوي رأسهُ وتولى بركنه، وادعى ما ليس لهُ، وتجرأَ على اللهِ وعتا وبغى، وأهانَ حزبُ الإيمانِ من بنى إسرائيل.

 واللهُ تعالى يحفظُ رسولهُ موسى وأخاهُ هارون _ عليهما السلام _ ويحوطهما بعنايتهِ ويحرُسُها بعينهِ التي لا تنام، ولم تزل المُحاجةٌ والمجادلاتُ والآياتُ تقومُ على يدي موسى شيئاُ فشيئاُ، ومرةً بعد مرة مما يبهرُ العقول، ويُدهشُ الألباب، ومما لا يقومُ له شيءٌ ولا يأتي به إلا من هو مؤيدٌ من الله، : (( وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)) [الزخرف:48].

 وصمَّم فرعونُ وملأهُ على التكذيبِ بذلك كلهِ حتى أحلَّ اللهُ بهم بأسهُ الذي لا يُرد، وأغرقهم في صبيحةٍ واحدة (( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))  (الأنعام:45)  .

لقد تعمد فرعونُ قتلَ أبناءِ بني إسرائيل، لأنَّهُ بلغهُ أنَّ غلاماً منهم سيولدُ ويكونُ هلاكُ ملكَ مصر على يديه، فانزعج لذلك وأمرَ بقتلِ كلِّ مولودٍ يُولد لبني إسرائيل حذراً من وجودِ هذا الغلام  ولا يغني الحذرَ عن القدر .

 ومع حرصِ فرعونَ وطُغيانهِ وجبروتهِ، فقد قدرَّ اللهُ أن يُولد موسى- عليه السلام- في السنةِ التى يُقتلُ فيها كلَّ مولودٍ لبنى إسرائيل، وأن ينجو من بأسهِ وقتله، وقد حزنت أمُّهُ حين حملت به خوفاُ عليه وحين وضعته، واستمرَ الخوفُ يُلاحقُها حتى أوحى إليها أن ترضعهُ، فإذا خافت عليه فلتَضعهُ في صندوقٍ ثمَُّ تلقِ به في البحر وسيحفظهُ الله ويردُّهُ إليها، (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) [القصص:7].

ولكم أن تعجبوا من قدرِ اللهِ وأمواجُ البحر وقد بدأت تقذفُ بتابوتِ الرضيعِ موسى- عليه السلام- ذات اليمينِ وذاتَ الشمالِ حتى أوصلتهُ إلى بيتِ فرعون.

 وكأنَّ اللهَ تعالى أرادَ  فيما أرادَ  أن يُظهرَ عجزَ فرعونَ وضعفهِ أمامَ قوةِ الله الجبار وقدرته.

فإذا كانَ فرعونُ يقتلُ الغلمان من أجلِّ هذا الغلام، فها هو الغلامُ يُولدُ ويسلمُ من القتلِ رُغم المتابعةِ الدقيقة، فإذا سلمَ ووصلَ إلى بيتِ فرعونَ دون عناءٍ أو بحث، فهل يستطيعُ الملكُ الطاغيةَ أن يقتلَ غُلاماً مازال في المهد؟

 كلاَّ وعنايةُ اللهِ تحيطُ بالغلام، ورعايتهُ سُبحانه تتولاه، وصدق اللهُ : (( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)) (القصص: من الآية8) وتحققُ وعدِ الله        (( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) (القصص:13) .

ويبدأُ موسى- عليه السلام- في دعوةِ فرعون وملئه، ويصرُّ أولئكَ على الكُفرِ والمعاندة، ويستمرُ بلينِ الدعاةِ بالقولِ تارةً وبالحجةِ الباهرةِ تارة، ويؤكدُ موسى وهارون- عليهما السلام- نبوتهما بالبراهينِ القاطعةِ، والمعجزات الظاهرة، ويظلُّ الحوارُ مع فرعون صريحاً جاداً تظهرُ فيه الربوبيةَ الحقَّة للهِ رب العالمين، وتسلُخها من فرعونَ الدعي العنيد، وتنسفُ الدعوةَ الكاذبة، ويظهرُ الحقُّ رُغم المكابرةِ والاستهزاءِ والتهديد : (( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)) [ الشعراء:23 – 28 ]

  وحين شعرَ فرعونُ أنَّ موسى- عليه السلام- قد غلبهُ بالحُجةِ والبرهان، لجأ إلى القوةِ والسلطان، وهددَ بسجنِ موسى إنَّ هو عبدَ الله وحدهُ، ورفض ما عليه الناس من عبودية فرعون : (( قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ))  

 [الشعراء:29].

وحين نتجاوز كثيراً من المشاهدِ والمواقفِ، ونصلُ إلى نهايةِ القصةِ نجدُ العبرةَ فيها والدروسَ أبلغ ، وموسى والمؤمنون معه يفرون بدينهم من وجه الطاغية بأمر الله ، ويصر فرعون وجنده على اللحاق بهم ،  بل ويرسل فرعون في المدائن حاشرين، ويقول عن المؤمنين : (( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ))  [ الشعراء:54 – 56] .

و يبلغُ الكربُ بالمؤمنين نهايته، والبحرُ أمامهم والعدوُ خلفهم، وهم لا يَدرون ماذا  في غيبِ الله وعلمهِ (( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ،  قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِ ينِ ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ،وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)) [ الشعراء:61 – 68 ] .

وبين البدءِ والنهايةِ في هذه الملحمةِ العظيمةِ، التي وقعت في اليومِ العاشرِ من هذا الشهر، شهرُ الله المحرم، عددٌ من الدروسِ والعبرِ المُهمة، ومنها :

 الدرس الأول : أنَّ نورَ اللهِ مهما حاولَ المجرمون طمسَ معالمه، وأنَّ الطغاةَ وإن أثروا في عقولِ الدهماءِ فترةً من الزمنِ، واستمالوهم  بالمنحِ والعطايا، فإنَّ القلوبَ بيدِ الله، يُصرفها كيف يشاء، وتأملوا في حالِ فرعون وسحرته، وكم وعدوا لقاءَ مواجهتهم موسى، ومع ذلك انقلبوا فجأةً عليه، واستهانوا بما وعد به حين أبصروا دلائل  الإيمان، ولاذوا بحمى الملكِ الديَّان، فكانوا أولَّ النهار  سحرة، وآخرهُ شُهداء بررة.   

(( وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ، قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ، قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ،  فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ،رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)) [الأعراف:113-122]

إنَّهُ موقفٌ من المواقفِ الحاسمةِ في تاريخِ البشريةِ، هذا الموقفُ بينَ فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرةِ السابقين.

 وإنَّهُ لموقفٌ حاسمٌ ينتهي بانتصارِ العقيدةِ على الحياة، وانتصارِ العزيمةِ على الألم،  وانتصار الإنسان على الشيطان .

وليس هذا أولُّ خُرقٍ في سفينةِ فرعون، فقد كان في بيتهِ مؤمنون، ومع ضعفِ النساءِ فقد تحدت آسية امرأةُ فرعون زوجها، وشمخت بإيمانها، ولم تفتنها الدنيا ومباهجها.

 وضرب اللهُ بها مثلاً للمؤمنين وقالت : ((  رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [التحريم:11].

ووُجد في آلِ فرعون مؤمنون ناصحون، رُغم العنت والأذى : (( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ))  [غافر:28].

 بل وُجد سوى هؤلاءِ ذريةً من آلِ فرعون آمنوا بموسى رُغم الخوف، وخشيةَ الفتنة في الدين : (( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ))  [يونس:83].

 قال العوفي عن ابن عباس- رضي الله عنهما  في تأويل هذه الأية ( فإنَّ الذريةَ التى آمنت لموسى من ناسٍ غيرُ بني إسرائيل، من قومِ فرعون يسير، منهم امرأةُ فرعون، ومؤمنُ آل فرعون، وخازنُ فرعون، وامرأةٌ خازنه.

 وقال ابن كثير: قليلٌ من قومِ إسرائيل،  لا من قوم فرعون.

 وقال ابن كثير: وفى هذا نظر، لأنَّهُ أرادَ بالذُريةِ الأحداثَ والشباب، وإنَّهم من بني إسرائيل، والمعروفُ أنَّ بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى- عليه السلام- واستبشروا به،  وكانوا يعرفون نعته وصفته والبشارةُ به من كتبهم المتقدمة.[1][5]..

وكذلك يبددُ نورَ الإيمانِ دياجيرُ الظلامِ في أجواءٍ تَخنقُ فيها العبوديةَ للهِ رب العالمين، ويُكرهُ الناسَ على العبوديةِ من دون الله .

الدرسُ الثاني : من قصةِ موسى- عليه السلام- مع فرعون : فقد عاشَ المسلمون في أيامِ فرعون ظروفا عصيبةٍ ملؤها الخوفُ والأذى، ووصلَ بهم الأمرُ أن يُسرُّوا بصلاتهم، ويتخذوا المساجدَ في بيوتهم قال الله تعالى: (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا  الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)) (يونس:87) .

و المعنى: كما قال العوفي: عن ابن عباسٍ في تفسيرِ الآية : قالت بنو إسرائيل لموسى- عليه السلام- : لا نستطيعُ أن نُظهرَ صلاتنا مع الفراعنة، وأذنَ اللهُ لهم أن يصلوا في بيوتهم.

 وقال مجاهد : لما خافَ بنو إسرائيل من فرعونَ أن يُقتلوا في الكنائس الجامعة، أُمروا أن يجعلوا بُيُوتهم مساجدَ مستقبلةً الكعبة، يُصلون فيها سراً، وكذا قال قتادة والضحاك.

الدرس الثالث : وفى ظلِّ هذه الظروف العصيبة، أُمر المسلمونَ بالصبرِ عليها، والاستعانةُ بالله على تجاوزها بالوسائل التالية:

أ) الصبرُ والصلاة ، قال الله تعالى لهم : (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) (( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا)) [الأعراف:128]. وقال لهم ولغيرهم: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [البقرة:153].

 فالصلاةُ سمةُ المسلمِ حين الرخاءِ وحين الشدةِ والضراء.

ب) والإيمانُ بالله والتوكلُ عليه، ضروري للمسلمِ في كلِّ حال، وهما في حالِ الشدةِ عدة (( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)) [يونس:84].

ج) وكذلك الدعاءُ وصدق اللجوءِ إلى الله، يصنعُ أملاً من الضيقِ، وفيه فرجٌ من الكروبِ، وخلاصٌ من فتنةِ الظالمين،  ونجاةٌ من الكافرين.

 (( فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ))[يونس:85-86] .

(( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)) [يونس:88].

ومع ذلك فلا بُدَّ من الاستقامةِ على الخيرِ، وعدمِ الاستعجال في حصولِ المطلوب، فذلك أمرٌ يُقدرهُ الله أنَّى شاءَ وكيف شاءَ (( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))[يونس:98].

 قال ابن جريج: يقالُ : إنَّ فرعونَ مكثَ بعد هذهَ الدعوةِ أربعين  سنة، وقال محمدُ بن علي بن الحسين : مكث أربعين يوماً .

الدرسُ الرابع : فتكشفهُ قصةٌ حوار يين موسى- عليه السلام- والمؤمنين معه، وفرعونُ وملئه، فهو الخداعُ الذي يُمارسه المجرمون على رُعاع الناس وجُهالهم، وتأملوا في مقالةِ فرعون للسحرة  حين آمنوا  كما قال تعالى : (( قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ))  [الأعراف:123].

وقال في الآية الأخرى : (( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ)) [ طـه: 71] .  

قال ابن كثيرٍ- رحمه الله-: وفرعونَ يعلمُ  وكلُّ من لهُ لبٌّ  أنَّ هذا الذي قالهُ من أبطلِ الباطلِ، فإنَّ موسى- عليه السلام- بمجردِ مجيئهِ من مدين دعا فرعونَ إلى الله، وأظهرَ له من المعجزاتِ ما جعلهُ  يبعثُ في مملكته لجمعِ السحرةِ، لإبطال سحرِ موسى كما زعم ، وموسى- عليه السلام-  لا يعرفُ أحداً منهم،  ولا رآه،  ولا اجتمع به، إلى أن يقول ابنُ كثير: ( وفرعون يعلمُ ذلك وإنَّما قالهُ تستراً وتدليساً على رُعاعِ دولته وجهلتهم، كما قال تعالى : (( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)             [ الزخرف: 54]  فإنَّ قوماً صدقوا في قوله : (( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)) [ النازعـات: 24] من أجهلِ خلقِ الله وأضلهم .انتهى كلامهُ رحمهُ الله[2][3].

الدرسُ الخامس : ومع الخداعِ والتدليسِ على الدهماءِ، تُقلبُ الحقائق،  واتهامُ الأبرياء، فلم يكتفِ فرعون وقومهُ بالقولِ عن المؤمنين الصادقين : (( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)) [ الشعراء:54] .

 بل اتهم الملأ وجلساءُ السوءِ موسى والمؤمنين بالإفساد في الأرض : (( وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون )) [الأعراف:127].

فليس كلُّ من ادعى النزاهةَ والعدالةَ محقاً صادقاُ،  وليس كلُّ من رُمي بالتطرف أو اتُهم بالفساد مبطلاً كاذباُ، وليس تغيرُ الألفاظ والاتهاماتُ الباطلة من واقعِ  الأمر شيئاً، لكنَّها السننُ في الابتلاءِ تمضي في الأولين والآخرين،

ومن حقِّ ابن كثيرٍ أن يعجبَ لهذهِ المقولةِ الكاذبة، ويقولُ : ( يا لله، للعجب صار هؤلاءِ يُشفقون من إفسادِ موسى وقومه، ألا إنَّ فرعون وقومه هم المفسدون، ولكن لا يشعرون ).

 الدرس السادس : أنَّ الصراعَ مهما امتد أجله والفتنةُ مهما استحكمت حلقاتها، فإنَّ العاقبةَ للمتقين، لكنَّ ذلك يحتاجُ إلى صبرٍ ومصابرةٍ واستعانةٍ بالله صادقة : (( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [الأعراف:128].

أجل فلا ينبغى أن يُخالج قلوبَ المؤمنين أدنى شكٌ بوعد الله، ولا ينبغي أن يساورهم القلقُ وهم يصبرون على الضراء، ولا ينبغي أن يخدعهم أو يغُرهم تقلبُ الذين كفروا في البلاد، فيظنوه إلى الأبد، وما هو إلا متاعٌ قليل، ثُمَّ يكونُ الفرجُ والنصرُ المبين للمؤمنين.

ويحسُ المسلمون برباطِ العقيدةِ مهما كانت فواصلُ الزمن، وكما تجاوزَ المؤمنين من قومِ موسى- عليه السلام- المحنةَ كذلك ينبغي أن يتجاوزها المسلمون في كل عصرٍ وملة، وكما صام موسى يوم عاشوراء من شهر الله المحرم، شكراً لله على النصرِ للمؤمنين، صامهُ محمدٌ- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون، ولا يزالُ المسلمون يتواصون بسنةِ محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- بصيامِ هذا اليوم، ويرجون بره وفضله.

وقد قال عليه السلام بشأنه : ((..وصوم عاشوراء يُكفرُ السنة الماضية)) وفي لفظ ((وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفرَ السنة التي قبله)) .

فقدروا لهذا اليوم قدره،  وسارعوا فيه إلى الطاعةِ، واطلبوا المغفرة، وخالفوا اليهود، وصوموا تطوعاً لله يوماً قبله أو يوماً بعده، إن صُمتم العاشر، فذلك أكملُ مراتبِ الصيامِ كما قال ابن القيمِ رحمه الله.